أربعة اتجاهات رئيسية تعيد تشكيل الشرق الأوسط في 2014
1 106




يناير 17, 2014 1:13 م







من المتوقع أن يشهد إقليم الشرق الأوسط، خلال عام 2014، أربعة اتجاهات رئيسية ، تشكل إقليمًا جديدًا مختلفًا عن ما كان موجودًا من قبل، حيث “تتحدى” هذه الاتجاهات ما استقر في الدوائر الأكاديمية والسياسية من “أساطير” حول هذا الإقليم، سواء من حيث نوع القوى التي تؤثر على تفاعلاته، أو فيما يتعلق بحالة الاستقرار والأمن فيه، أو من حيث طبيعة علاقته بالولايات المتحدة الأمريكية، التي ظلت القوة الرئيسية المهيمنة على تفاعلاته.


:”الرباعي” الخليجي مركز الثقل السياسي الجديد

منذ اندلاع الثورات العربية، تزايد الدور الإقليمي الذي تلعبه دول الخليج الست بدرجات متفاوتة، فبينما كانت قطر الدولة الأكثر نشاطًا في المنطقة، حتى ما قبل 30 يونيو 2013، اتجهت السعودية إلي تكثيف نشاطها في منطقة الخليج على نحو يسمح بتجنب تداعيات الثورات العربية، من خلال الأطر التي يوفرها مجلس التعاون الخليجي، وفي هذا الإطار طرحت فكرة توسيع المجلس ليضم الأردن والمغرب في 2011، ثم التدخل الخليجي في البحرين على إثر احتجاجات فبراير 2011 من خلال قوات “درع الجزيرة” في مارس 2011، ثم توفير المساعدات المالية للبحرين وعمان، وأخيرًا مبادرة انتقال المجلس من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد، التي أعلنها العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز، في ديسمبر 2011.


ومنذ سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر بعد ثورة 30 يونيو، اكتملت أبعاد هذا الدور لدول الخليج، كما أعيد تشكيله، حيث أصبح الرباعي الخليجي: السعودية والإمارات والبحرين والكويت، يمثل مركز الثقل السياسي في الإقليم، ومقر صنع القرار السياسي فيما يتعلق بقضايا محددة، ويمتلك مشروعًا محددًا للمنطقة يقوم على منهج الاعتدال ودعم الاستقرار في المنطقة، لا سيما بعد الدعم الداخلي والدولي الذي قدمه لمصر بعد ثورة 30 يونيو، وما تبعها من مواجهات عنيفة في الداخل مع جماعة الإخوان المسلمين.

بينما أصبحت قطر تمر بعملية إعادة تموضع محدودة Limited Re-positioningبعد تولي الأمير تميم الحكم خلفًا لوالده، وبعد خسارتها الرهان على إخوان مصر، وتسعي قطر من هذه العملية إلي تجنب الدخول في مواجهات “مكشوفة” مع دول الخليج، وتحاشي الخسارة الكاملة لنفوذها في الإقليم. بينما تفضل عمان اتباع سياسة نشطة في القضايا التي تمثل مصلحة مباشرة لها، حتى وإن ترتب على ذلك خلاف مع دول الخليج، وهو ما يشير إليه دورها في المفاوضات بين إيران والغرب.

وفي مقابل هذا التحول، تراجعت أهمية مصر، خاصة مع انشغالها بتعقيدات المرحلة الانتقالية، حيث بات واضحًا أن التطورات التي مرت بها مصر في الفترة التالية على ثورة 30 يونيو لم تسقط هلال الإخوان بالكامل في منطقة الشرق الأوسط، بالدرجة ذاتها التي ساهمت في تشكله بعد ثورة يناير 2011، إذ لا يزال إخوان تونس قادرين على الحفاظ على وجودهم في السلطة، وكذلك الوضع بالنسبة لإخوان ليبيا واليمن، والإخوان في الكويت والبحرين.

كما أن سوريا تمر بمرحلة غير مسبوقة من الصراع الداخلي، ترتب عليها تحولها إلى مصدر لعدم الاستقرار. وإلى جانب ذلك، تشهد السياسة التركية في الإقليم تحولات ناتجة عن التغيير الذي حدث في مصر بعد ثورة 30 يونيو، وعن الأزمة الداخلية التي تواجهها حكومة رجب طيب أردوغان، على نحو يؤثر على حجم نفوذها في الإقليم، مقارنة بحجم تأثيرها خلال الفترة السابقة على ثورة 30 يونيو، وما ارتبط به من كونها “نموذجًا” لحكم الإسلاميين في دولة ديمقراطية علمانية، ومتقدمة اقتصاديًا.

ويرتبط تحول الرباعي الخليجي إلى مركز ثقل في الإقليم، بامتلاك دوله فوائض مالية كبيرة في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد العالمي من أزمات مالية، وكذلك التفكير الاستراتيجي، وشبكة العلاقات والتحالفات التي تتخطى حدود إقليم الشرق الأوسط، لتؤثر على دوائر صنع القرار في العواصم العالمية مثل واشنطن وموسكو، فضلا عن الدول الأوروبية.

ويمكن تفسير تحول دول الخليج إلي مركز ثقل سياسي في المنطقة بعاملين: يتمثل العامل الأول في أنها أصبحت المركز الذي يصنع فيه القرار السياسي المؤثر – إلى حد كبير – على قضايا التغيير السياسي في المنطقة. وينصرف العامل الثاني إلى أنها باتت مصدر تمويل لا يمكن التغافل عنه لعمليات التنمية في معظم دول الشرق الأوسط، وليس الدول العربية فقط، من خلال الصناديق السيادية التي أصبحت محركًا للتنمية في العديد من دول العالم. ويظل استمرار هذا الوضع خلال العام 2014، مرتبطًا بقدرة هذه الدول على تحصين نفسها من التداعيات التالية علي الثورات العربية، فضلا عن قدرتها على احتواء التأثيرات التي ستترتب على الاتفاق الأمريكي-الإيراني، إلى جانب استمرار انكماش الدور السياسي للقوى التقليدية في المنطقة علي غرار تركيا.

نهاية “الهيمنة” الأمريكية على تفاعلات الإقليم:

لم تعد الولايات المتحدة القوة الرئيسية المهيمنة على تفاعلات إقليم الشرق الأوسط، حيث لم تعد مقولة أن “99% من أوراق اللعبة في يد واشنطن”، تتلاءم مع التحولات التي يشهدها اهتمام القوى العالمية بالإقليم. وهذا التحول يؤسس لانتهاء الحقبة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، لأسباب خاصة بتغير أولويات واشنطن، وتزايد اهتمامها بآسيا وفق ما يعرف بـ “Asian Pivot”، وأخرى متعلقة بالتحولات التي أحدثتها ثورة 30 يونيو، وشجعت قوى أخرى على التدخل في شئون المنطقة.

فمن ناحية، اتجهت روسيا مؤخرًا، إلي تقديم نفسها كبديل، أو منافس موازي للولايات المتحدة في المنطقة، بل ومختلف عن الأخيرة، سواء من حيث رؤيتها لمستقبل المنطقة، أو فيما يتعلق بالدور السياسي للتيارات الإسلامية التي سارعت واشنطن بدعمها، حيث سعت لتقديم نفسها على أنها “الشريك التقليدي” الذي يريد أن يحافظ على الاستقرار في المنطقة، دون أن يمنع تقدم دولها السياسي، إذ لم تعد موسكو هي مصدر السلاح والطاقة فقط، وإنما أصبحت لاعبًا ينافس النفوذ الأمريكي في المنطقة، وباتت تمثل ظهيرًا دوليًا للتحالف المصري -الخليجي الذي تشكل بعد ثورة 30 يونيو، وهو ما لاقى قبولا من دول الخليج فضلا عن مصر وغيرها من الدول، على نحو قد يؤسس لحقبة روسية جديدة.

ومن ناحية ثانية، لم تعد القوى الآسيوية تلعب دورًا اقتصاديًا فقط في المنطقة، لا سيما الهند والصين، حيث تمر سياسات هذه الدول تجاه المنطقة بتحولات تعيد تموضعها كفاعل سياسي، كما هو الوضع في حالة الصين، حيث لعبت بكين دورًا مهمًا في إتمام الاتفاق النووي الذي أبرم في جنيف بين إيران ومجموعة “5+1″ في 24 نوفمبر 2013، على نحو يعكس رؤية محددة لها فيما يتعلق بقضية الانتشار النووي في منطقة الشرق الأوسط.

كما تقدمت الصين بمبادرة النقاط الأربع من أجل تسوية الصراع بين الفلسطينيين وإسرائيل في مايو 2013، وطرحت مبادرة لتسوية الصراع في سوريا سلميًا في نوفمبر 2012. وفي حالة الهند، فإنها لم تعد مصدر العمالة الرخيصة فقط، حيث يلاحظ بداية تحولها إلى فاعل أمني، إذ أصبح هناك دور أمني محتمل يمكن أن تقوم به في المنطقة، خاصة في منطقة الخليج، التي يعد أمنها جزء من الأمن القومي الهندي، وهو ما تكشف عنه مناقشات حوار المنامة الذي عقد في الفترة من 6 إلي 8 ديسمبر 2013.

استقرار الإقليم “يرتكز” على الفاعلين المسلحين من غير الدول ANSAs:

لم تعد الدولة هي الفاعل الوحيد المؤثر في تفاعلات إقليم الشرق الأوسط، حيث أصبح الفاعلون من غير الدول المسلحون، يؤثرون بصورة واضحة في أمن واستقرار الإقليم، حتى باتت متغيرًا لا يمكن تجاهله لتحقيق الاستقرار فيه، على نحو جعل استراتيجية التعامل معهم من قبل القوى الرئيسية في الإقليم، بحاجة إلى إعادة تقييم، خاصة بعد أن تبين قدرة هؤلاء الفاعلين، مثل حزب الله اللبناني، على إعادة توجيه الصراع في سوريا، على نحو يضر بمصالح قوى رئيسية في الإقليم، وهو ما فرض على دول المنطقة التخلي عن سياسات “العزل” التي مارستها في السابق، لصالح تبني إستراتيجية الانخراط Engagement مع هذا النوع من الفاعلين.

ويمكن تحديد نوعين من السياسات التي تبنتها دول المنطقة في إطار استراتيجية الانخراط: ينصرف النوع الأول إلى السياسات العقابية، من قبيل تصنيف دول مجلس التعاون حزب الله على أنه منظمة إرهابية، وتتبع شبكات التمويل الخاصة به في هذه الدول. ويتمثل النوع الثاني في السياسات التحفيزية، من قبيل حرص واشنطن على التوصل الى تفاهم سياسي ما مع حركة طالبان قبل سحب كامل قواتها المقاتلة بحلول نهاية عام 2014، وسعي قطر، بتفاهم أمريكي، إلي التواصل مع حزب الله بهدف تسهيل التسوية السلمية للصراع في سوريا.

شرق أوسط “مرن:”

أصبحت منظومة التفاعلات في الإقليم أكثر مرونة، وأقل اعتمادًا على الأيديولوجيا، وأكثر ارتباطًا بالمصالح المرتبطة بقضايا محددة، وهو ما يستدعي إعادة النظر في كل أنماط التفاعلات التي سادت في المنطقة، مثل نمط المحاور الجامدة علي غرار محور الثوريين والمحافظين، أو دول المهادنة والممانعة.

فقد أصبحت دول المنطقة أكثر براجماتية في إدارة علاقاتها الخارجية، بما في ذلك علاقاتها مع الدول التي تمثل مصدر تهديد لها، حيث تخلت عن سياسات “إما معنا أو ضدنا”، لصالح استراتيجيات تقوم على فكرة التوافق والتحالف المرن المرتبط بقضايا محددة، ومثل هذا التطور يجعل الحديث عن انقسام المنطقة إلى محاور جامدة غير واقعي، حيث لم تعد هذه الثنائيات تصلح لفهم التفاعلات الحالية في المنطقة، إذ من الواضح أن حالة الاصطفاف ليست جامدة، وترتبط بقضايا محددة، دون أن تنسحب على باقي القضايا الإقليمية.

ولا يقتصر هذا النمط من التحالفات على الدول الشرق أوسطية، وإنما يمتد أيضًا إلى القوى الدولية التي تمارس نفوذًا في المنطقة، فمن ناحية، يسيطر على العلاقات الروسية -الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، نمط التوافق “المرن”، الذي يرتبط بقضايا محددة، مثل الصراع في سوريا، والبرنامج النووي الإيراني، بينما لا تزال هناك خلافات بين الجانبين، خاصة إذا ما تم التعامل مع بعض القضايا مثل مسار التطور السياسي لدول المنطقة.

ومن ناحية ثانية، أصبح التحالف المرن بين دول الخليج، باستثناء قطر وعمان، وكل من الأردن ومصر بعد ثورة 30 يونيو، يحكمه وجود مصالح محددة لهذه الدول، دون أن يعني ذلك اتفاقها حول قضايا إقليمية أخرى، إذ لا يعني اتفاق هذه الدول على أن إسقاط حكم الإخوان قد أزال خطرًا محدقًا بها، وجود توافق بينها حول مستقبل الإقليم، حيث أن هناك خلافات بين هذه الدول، أحدها مرتبط بالصراع في سوريا والموقف من التدخل الدولي.

هذه الاتجاهات الرئيسية ربما تمثل “مفاتيح” للقوى المؤثرة في العالم للتعامل مع الشرق الأوسط، خلال العام الحالي، وقد يستمر تأثيرها في الفترة التالية أيضًا، دون أن يعني ذلك استبعاد تشكل اتجاهات جديدة في الإقليم، أو تراجع أي من هذه الاتجاهات، بسبب تحولات قد يشهدها الإقليم من داخله، وهو ما قد يعيد تشكيله مرة أخرى.

المركز الاقليمى للدراسات الاستراتيجية

اخبار متعلقة
لا يوجد أخبار متعلقة