هذا البحث جدير يستحق القراءه والبناء عليه
أحمد البرعي يكتب: شرعية النقابات المستقلة
الدكتور أحمد البرعي
فى أعقاب ثورة 25 يناير المجيدة، أصدرت الحكومة المصرية -تحقيقًا لأهداف الثورة- إعلان الحريات النقابية، وسمحت بإنشاء النقابات «المستقلة»، بمعنى نقابات خارج إطار الاتحاد العام «الحكومى». وقد أسهم هذا الإعلان، بالإضافة إلى مشروع قانون الحريات النقابية، الذى أقره مجلس الوزراء (برئاسة أ.د.عصام شرف) فى أغسطس عام 2011، كما وافق المجلس -فى نفس الجلسة- على حل مجلس إدارة اتحاد عمال مصر.
ولكن بعض القوى القديمة دأبت على التشكيك فى النقابات المستقلة، مدعية عدم شرعيتها، ونقدّم فى ما يلى الحجج والأسانيد التى تدل على شرعية تلك النقابات، وبطلان القانون رقم 35 لسنة 1976 المنشئ لاتحاد عمال مصر، لمخالفته النصوص الدستورية والاتفاقيات الدولية التى صادقت عليها مصر.
أولًا: حق العمال فى تكوين النقابات
الملاحظات التى أبدتها لجنة الخبراء
القيمة القانونية للاتفاقيات الدولية التى صادقت عليها مصر
إن المادة الثانية، من الاتفاقية 87، لم تكرس فحسب مبدأ حق العمال «دون تمييز» فى تكوين النقابات، بل إليه أضافت مبدأ آخر، لا يقل أهمية: إن العمال من حقّهم تكوين المنظمات النقابية، أو الانضمام إلى منظمة نقابية، بمحض اختيارهم، أى أن الاتفاقية خولت لهم حق إنشاء والانضمام إلى النقابات «التى يختارونها»، على حد قول المادة الثانية من الاتفاقية.
وهو نفس المبدأ الذى أكدته المادة 8/1/أ من العهد الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بإقرارها لـ«حق كل شخص فى تكوين النقابات بالاشتراك مع آخرين وفى الانضمام إلى النقابة التى يختارها».
ومفاد ذلك أنه لا يجوز تقييد حق تكوين النقابات على أنشطة أو مهن محددة، كما لا يجوز أيضًا تحديد حق العاملين فى مهنة ما، بتكوين نقابة واحدة على مستوى المهنة أو الصناعة، أو على مستوى المهن والصناعات المتماثلة أو المرتبطة.
ولقد أكدت المحكمة الدستورية العليا فى مصر فى أحدث أحكامها «25-3-2015» هذا المفهوم، إذ قررت، «وحيث إن المادة (76) من الدستور تنص على أن إنشاء النقابات والاتحادات على أساس ديمقراطى حق يكفله القانون، وتكون لها الشخصية الاعتبارية، وتمارس نشاطها بحرية وتسهم فى رفع مستوى الكفاءة بين أعضائها والدفاع عن حقوقهم، وحماية مصالحهم.
وتكفل الدولة استقلال النقابات والاتحادات، ولا يجوز حل مجالس إدارتها إلا بحكم قضائى، ولا يجوز إنشاء أى منها بالهيئات النظامية.
وحيث إن الدستور قد كفل -بهذا النص- جوهر الأحكام التى انتظمتها كل من الاتفاقية السابعة والثمانين فى شأن الحرية النقابية، التى اعتمدها المؤتمر العام لمنظمة العمل الدولية فى دورته الحادية والثلاثين، والنافذة أحكامها اعتبارًا من 4 يوليو سنة 1950، والاتفاقية الثامنة والتسعين فى شأن التنظيم النقابى، التى اعتمدها المؤتمر ذاته فى دورته الثانية والثلاثين والنافذة أحكامها اعتبارًا من 8 يوليو سنة 1951، وتعتبر مصر طرفًا فى هاتين الاتفاقيتين بتصديقها عليهما، وقد خوّلت أولاهما للعمال -دون تمييز من أى نوع- الحق فى تكوين منظماتهم التى يختارونها بغير إذن سابق، ودون تقيُّد بغير القواعد المنصوص عليها فى دساتيرها وأنظمتها.
ثانيًا: «مبدأ الوحدة والتعدد النقابى»
هذا المبدأ يثير، أكثر ما يثير، القضية الكبرى التى تواجه الحركات النقابية الوطنية، فى كل بلد، ونقصد بها «الوحدة النقابية» أو التعدد النقابى.
فهذا المبدأ يتعلَّق به حق العمال فى تحديد بنيان وتركيب النقابات، وحقهم فى إقامة أكثر من نقابة فى أى منشأة أو مهنة أو فرع نشاط، وحقهم فى إقامة الاتحادات والاتحادات العامة بكل حرية. وممارسة العمال لحقهم فى الاختيار يثير بعض المشكلات العملية المتعلقة بفكرة التعددية النقابية والاحتكارات النقابية وشروط الأمن النقابى، وما قد تلجأ إليه الإدارة بمحاباة بعض النقابات، على حساب البعض الآخر.
ونستعرض فى ما يلى الحلول التى قررتها لجنة الحريات النقابية فى هذا الشأن.
- ففى ما يتعلق بالبنيان النقابى، لا بد أن يترك للعمال كامل حريتهم فى تحديد كيفية تكوين النقابة، وتأتى على رأس الصعوبات التى قد يواجهها العمال فى هذا الصدد، أن يتطلب المشرع الوطنى حدًّا أدنى مرتفعًا الأعضاء لتكوين النقابة، بحيث يصير الأمر أكثر صعوبة بالنسبة إلى العمال الذين يرغبون فى تكوين نقابة جديدة.
ومن ناحية أخرى، فإنه لا يتصور أن يسمح لنفر قليل من العمال، قد لا يتجاوز عدده أصابع اليد الواحدة، بأن ينشئ نقابة، لذلك توصى لجنة الحريات النقابية فى هذه الحالة بـ«تحديد حد أدنى لعدد الأعضاء من أجل تأسيس منظمة أو استمرارها، ويجب أن يكون هذا العدد على مستوى معقول، بحيث لا يعرقل تكوين المنظمة».
حقَّا، إن تحديد هذا العدد أمر يتوقف على الظروف الخاصة بكل بلد، ولكن لجنة الحريات النقابية، قررت فى هذا الصدد، أن اشتراط عدد خمسين عاملًا لتكوين نقابة أو استمرارها، «وفى حالة أخرى مئة عامل»، هو أمر من شأنه عرقلة تكوين النقابة، أو يجعله مستحيلًا. لكن اللجنة راعت أيضًا ضرورة أن يكون العدد المكون للنقابة معقولًا، فقررت أن تحديد الحد الأدنى لتكوين النقابة بـ20 عضوًا أمر معقول.
ويدّعى أنصار مبدأ «فرض الوحدة النقابية بالقانون»، أن إطلاق مبدأ حرية «الاختيار» قد يؤدى إلى تعدد النقابات الممثلة للمهنة الواحدة، ومن ثَمَّ إلى تفتيت الجهود، بحيث تصبح النقابات عاجزة عن الدفاع عن مصالح الطبقة العاملة، فى مواجهة أصحاب الأعمال. والواقع، أنه مهما كانت وجاهة هذه الحجج، ومع تسليمنا بأن الوحدة النقابية ربما كانت أكثر فاعلية لصالح الطبقة العاملة، فإن الأمر يتوقف، كما دلّت التجارب، على كيفية حدوث «الوحدة النقابية»، وهل هى نتيجة سياسة حكومية فرضت قانونًا تلك الوحدة، كما كانت الحال فى كل البلاد الاشتراكية، أم أن هذه الوحدة هى «اختيار حر للعمال».
والإجابة عن هذا التساؤل تقتضى منا، زيادة فى الإيضاح، أن ننبه إلى أن الاتفاقية 87 لم يكن من بين مقاصدها على الإطلاق أن تجعل التعدد النقابى أمرًا حتميًّا، ولكنها قصدت، أن تكون إمكانية تنوع النقابات، متاحة للعمال. ذلك، كما تبين لجنة الحريات النقابية أن هناك اختلافًا شاسعًا بين أن يكون الاحتكار النقابى نتيجة لما يفرضه القانون، وبين أن يحدث هذا الاحتكار نتيجة الممارسة الفعلية للعمال، واختيارهم -طواعية- توحيد جهودهم فى داخل تنظيم واحد.
لذلك، فمن المقبول -وفقا لمستويات العمل الدولية- قيام عدة نقابات بالتجمع معًا طواعية، ودون إلزام قانونى، وبغير ضغط من السلطات العامة، بسبب رغبة عمال هذه النقابات فى دعم مركزهم فى التفاوض الجماعى، أو لمواجهة مشكلات ناجمة، فى عالم العمل، إثر التطورات الاقتصادية أو التكنولوجية.
وأن «وجود عدة نقابات تمنح العمال الفرصة فى اختيار النقابة الملائمة من حيث المهنة، والعقيدة، والرأى السياسى، لا يمكن أن يكون سببًا فى حرمان باقى العمال من تكوين نقاباتهم، وتكوين نقابة غير النقابات القائمة، متى قام فى اعتقاد العمال أن تكوين نقابة جديدة أفضل للدفاع عن مصالحهم المهنية.
لذلك، فإن اللجنة إذ تلاحظ أن من مصلحة العمال بالطبع تجنُّب التفتت النقابى، فإن ذلك لا يعنى على الإطلاق، إمكانية فرض (الوحدة النقابية) على الحركة العمالية عن طريق تدخل الدولة وبواسطة التشريع، مثل هذا التدخل يعد مخالفة صريحة وواضحة لمبدأ الحرية النقابية، وفق ما أرسته الاتفاقية 87، وعلى الأخص المادتان 2 و11 من تلك الاتفاقية».
وفى كل الحالات، حتى لو تحققت الوحدة النقابية، بناء على الممارسة، والاختيار الحر للعمال، فإن هذه الحالة لا يجوز أن تكون محل «تقنين»، يتحوّل بموجبه مبدأ «الوحدة النقابية» إلى التزام قانونى، لأن فى ذلك إلزامًا لكل العمال بالامتناع عن تكوين نقابات جديدة، وفى ذلك إهدار لحرية الاختيار التى كفلتها الاتفاقية 87.
وقد انتهت لجنة الحريات إلى تقرير مبدأ عام مؤداه «أن أى إجراء من شأنه حرمان العمال من تكوين أو إعادة تكوين نقابات غير (النقابة الواحدة) التى ألزم المشرع بها العمال، يعد إجراءً باطلًا، لمخالفته صريح نصوص الاتفاقية 87».
ثالثًا: الملاحظات التى أبدتها لجنة الخبراء
فى ضوء ما سبق، ما فتأت لجنة الخبراء بمنظمة العمل الدولية تلاحظ أن نصوص قانون النقابات المصرى 35 لسنة 1976، وعلى الأخص المواد 7، و13، و14، و17، و19، و52، تمثّل قيدًا على حرية العمال فى تكوين نقاباتهم، واختيار النقابة التى يرى العامل الانضمام إليها، خصوصًا أن تلك النصوص تصادر حق العمال الراغبين فى ذلك فى تكوين منظماتهم النقابية خارج نطاق الاتحاد العام القائم، أو خارج نطاق النقابات العامة، والتى أجاز القانون تكوينها لمن يعملون فى الصناعات المتماثلة أو المتشابهة أو المرتبطة، أو المشتركة فى إنتاج واحد، وهو ما يجعل للعمال الاختيار بين الانضمام إلى المنظمات القائمة، أو تركها، دون أن يكون لهم حق إنشاء منظمة خارج الهيكل التنظيمى المحدد قانونًا.
وإذا كانت الحكومة المصرية تصر، فى كل ردودها، على أن «الوحدة النقابية هى تعبير عن إرادة العمال»، فإن التفسير الصحيح لمبادئ الحرية النقابية لا يتعارض والوحدة النقابية، إنما يتعارض وفرض هذه الوحدة بقوة القانون. وهو ما دعا لجنة الخبراء، دومًا وبحق، إلى المطالبة بتعديل نصوص قانون النقابات، سالف الإشارة إليها، لأن «تفضيل العمال لتوحيد الحركة النقابية فى مرحلة من المراحل لا يحرمهم من الحق فى تكوين منظماتهم خارج الأُطر القائمة..».
ولكن كيف يبدو الأمر الآن، وقد عبرت جماعة من العمال عن إرادتها فى تكوين نقابة خارج «التنظيم الأوحد المفروض قانونًا»؟
وهل نستطيع، ردًّا على ملاحظات المنظمة، أن نستمر فى القول «الوحدة النقابية هى تعبير عن إرادة العمال»؟
سؤال نترك الإجابة عنه لمن هو موجَّه إليه.
رابعًا: نقابة الضرائب العقارية تستمد شرعيتها من القانون
والأمر بين: إن مصر مصدقة على الاتفاقيتَين 87 و98، سالف الإشارة إليهما، وكذلك العهد الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وجميعها يكرّس مبدأى «حرية تكوين النقابات» و«عدم جواز فرض الوحدة النقابية بقانون»، وبما أن المادة 151 من الدستور المصرى تنص على أن «رئيس الجمهورية يبرم المعاهدات، ويبلغها مجلس الشعب مشفوعة بما يناسب من البيان، وتكون لها قوة القانون بعد إبرامها والتصديق عليها ونشرها وفقًا للأوضاع المقررة».
فإن أحكام الاتفاقيتين المشار إليهما، وما تضمناه من مبادئ، صارت جزءًا لا يتجزأ من القانون الداخلى، وبموجب ذلك يستمد العمال حقهم فى إنشاء نقاباتهم «بكل حرية» من القانون مباشرة.
ولعل من المفيد فى هذا الصدد أن نذكر بالقضاء المصرى النزيه والمستقل، والذى حكم عام 1987 ببراءة عمال السكة الحديد من تهمة «الامتناع الجماعى عن العمل» المؤثمة بأحكام قانون العقوبات. واستندت محكمة أمن الدولة العليا، فى حكمها الشهير «إضراب عمال السكك الحديدية»، إلى أن من حق العمال الإضراب، لأن مصر صادقت عام 1981 على «العهد الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية»، وصارت الاتفاقية بالتصديق عليها جزءًا لا يتجزَّأ من القانون الداخلى، ويستمد العمال منها حقَّهم فى «الإضراب».
«محكمة أمن الدولة العليا طوارئ القاهرة، القضية رقم 4190 لسنة 86 الأزبكية (121 كلى شمال) الخاص بإضراب العاملين بالسكك الحديدية».
خامسًا: القيمة القانونية للاتفاقيات الدولية التى صادقت عليها مصر
وإذا كان عمال مصر يستمدون حقهم فى إنشاء نقاباتهم من القانون المصرى بعد أن صارت الاتفاقيات الدولية بالتصديق عليها جزءًا لا يتجزّأ من القانون الداخلى، فقد يرتاب البعض فى مبدأ «حرية تكوين النقابات» المستمد من تصديق مصر على اتفاقية «الحرية النقابية وحماية حق التنظيم رقم 87 لسنة 1948»، واتفاقية «حق التنظيم والمفاوضة الجماعية رقم 98 لعام 1949»، و«العهد الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية» الذى صادقت عليه مصر عام 1981، نظرًا لأن قانون النقابات العمالية السارى، الذى يفرض مبدأ «الوحدة النقابية بقانون»، صدر عام 1976، أى بعد أن صدّقت مصر على الاتفاقيات المشار إليها أعلاه، فإن مصر قد صادقت على «العهد الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية» عام 1981، أى بعد صدور قانون النقابات عام «1976».
كذلك فإن الثابت فقهًا وقضاءً، أنه حتى لو صدر قانون مخالف، بعد تصديق الدولة على المعاهدة أو الاتفاقية، فإن ذلك لا يمس بالحكم الوارد بالاتفاقية، كدليل على احترام الدولة لتعهداتها.
1- آراء الفقهاء
يميل غالبية الفقهاء فى مصر «بما يشبه الإجماع» إلى أن الدستور المصرى قد أخذ بمذهب وحدة القانون، بما يعنى أن المعاهدة دولية التى يتم إبرامها والتصديق عليها ونشرها، تكون لها قوة القانون بل وتعلو فى حالة التعارض على القانون الداخلى، وبحيث لا تدرج المعاهدة فى النظام الداخلى للدولة مباشرة، وإنما لا بد من اتباع الإجراءات السابق الإشارة إليها، فإذا تم ذلك أصبحت المعاهدة كأى قانون، وبالتالى تلتزم السلطات المختصة بتنفيذها، ويمكن إثارتها أمام المحاكم المصرية والتى تلتزم بتطبيقها.
وقد أثار جانب من الفقه ملاحظة فى غاية الأهمية، وهى أنه إذا أصبحت المعاهدة بمثابة قانون داخلى ولها قوة القانون الداخلى، فهل يعنى ذلك أنها فى مرتبة القوانين العادية، بحيث إنه يمكن صدور قانون لاحق يتعارض مع المعاهدة فيعتبر ناسخًا للقانون السابق الذى هو المعاهدة، ويلتزم القضاء بتطبيق القانون اللاحق؟
يجمع الفقه على أن صدور القانون اللاحق على هذا النحو لا يعد فى حد ذاته مبررًا لإهدار أحكام هذه المعاهدة من جانب السلطات العامة، بما فيها السلطة القضائية، وأن الحل الأولى بالاتباع فى هذه الحالة هو الحل الذى ساد فى فرنسا قبل صدور دستور 1946 فى ظل نصوص دستورية تشبه إلى حد كبير الوضع الدستورى القائم فى مصر، كما يستفاد من المادة رقم 151 من الدستور المصرى لعام 1971، حيث كان القضاء الفرنسى يطبّق أحكام المعاهدة على الرغم من تعارضها مع قانون لاحق عليها، على أساس أن المشرع عندما أصدر هذا القانون اللاحق المخالف للمعاهدة لم يقصد الخروج على أحكام المعاهدة ومخالفتها ما دامت الأعمال التحضيرية لهذا القانون لا تتضمن ما يؤكّد ذلك صراحة.
2- القيمة الدستورية للمعاهدات الدولية فى قضاء المحكمة الدستورية
قضت المحكمة الدستورية العليا فى تعريفها للمعاهدة الدولية، بأن عبارة المعاهدة الدولية لا تعدو أن تكون مصطلحًا عامَّا «Generic Term»، يمتد إلى كل أشكال الاتفاق الدولى فى ما بين دولتين أو أكثر إذا دون هذا الاتفاق سواء فى وثيقة واحدة أو أكثر، وأيَّا كان نطاق المسائل التى ينظمها، أو موضوعها، ومن ثَمَّ يندرج تحتها ما يتصل بمفهومها من صور هذا الاتفاق، سواء كان عهدًا أو ميثاقًا أو إعلانًا أو بروتوكولًا أو نظامًا أو تبادلًا لمذكرتين.
كما استقر قضاء المحكمة على أن الاتفاقية الدولية لها قوة القانون، فقضت بأن النعى بمخالفة قانون لاتفاقية دولية لها قوة القانون لا يشكّل خروجًا على أحكام الدستور المنوط بالمحكمة الدستورية العليا صونها وحمايتها.
وقضت أيضًا بأن الأصل فى كل معاهدة دولية -إعمالًا لنص المادة 31 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات التى تعتبر مصر طرفًا فيها- هو أنها ملزمة لكل أطرافها -كل فى نطاق إقليمه- ويتعيَّن دومًا تفسير أحكامها فى إطار من حُسن النية ووفقًا للمعنى المعتاد لعباراتها، فى السياق الواردة فيه، وبما لا يخل بموضوع المعاهدة أو أغراضها.
وبالنسبة إلى التزام الدولة بتنفيذ المعاهدات الدولية التى انضمت إليها، فقد قضت المحكمة الدستورية العليا بأن انضمام الدولة إلى اتفاقية دولية يلزمها العمل على تنفيذ أحكامها
3- القيمة الدستورية للمعاهدات الدولية فى قضاء محكمة النقض
قضت محكمة النقض بأنه إذا صدر قانون لاحق على المعاهدة يتعارض مع أحكامها، فتكون الأولوية فى التطبيق للمعاهدة الدولية، سواء كان نفاذها سابقًا أو لاحقًا على صدور التشريع. ومن ثَمَّ فلا تنطبق هنا قاعدة أن اللاحق يلغى السابق.
وتعتبر المعاهدة بمثابة نص خاص يقيّد النص العام السابق أو اللاحق عليه. وجاء بالحكم المشار إليه أن «من المسلم به فى فقه القانون الدولى العام أنه إذا تعارضت أحكام المعاهدة مع أحكام قانون داخلى، فإن أحكام المعاهدة وحدها تكون هى الواجبة التطبيق، سواء كان القانون الداخلى قد صدر قبل إبرام المعاهدة أو صدر بعد إبرامها، ذلك لأن المعاهدة رابطة تعاقدية بين دولتَين لا تتأثر بما يكون للدولتين من تشريعات سابقة عليها أو بما تصدره إحداهما من تشريعات لاحقة تعارض أحكامها.
وحيث إن مما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون عليه من مخالفته قواعد القانون الدولى الخاص وأحكام المادتَين 491 و1/493 من قانون المرافعات، فمردود بأنه وإن كانت الإجراءات فى الدعاوى تخضع لقانون القاضى الذى يحكم فى الدعوى إلا أن تلك الإجراءات إذا كانت قد نظمت بمعاهدة بين بلد القاضى والبلد الآخر وجب على القاضى اتباع ما نص عليه فى المعاهدة، ولو كان مخالفًا لما نص عليه فى القانون الداخلى للقاضى، وذلك تطبيقًا لأحكام القانون الدولى العام على ما سبق بيانه».
وخلاصة ما تقدَّم أن الدستور المصرى قد أخذ بمبدأ وحدة القانون، بما يعنى أن المعاهدة الدولية التى انضمت إليها مصر وتم نشرها وفقًا للأوضاع المقررة أصبحت لها قوة القانون الداخلى، بل هى فى ذاتها قانون واجب النفاذ شأنها شأن أى قانون داخلى، وتعلو على القانون الداخلى إذا تعارضت معه.

_________________